رأى مهير رامزنكاني، أستاذ الاقتصاد والمحلل الاقتصادي، أن صمود الاقتصاد الإيراني في ظل الحرب والعقوبات يصعب تفسيره بالمعايير الاقتصادية التقليدية، مشيرًا إلى أن إغلاق مضيق هرمز فعليًا طوال معظم الأشهر الستة الماضية وارتفاع سعر خام برنت إلى ما يقارب 90 دولارًا للبرميل لم يؤديا إلى تحرك الاقتصاد العالمي بالقدر المتوقع.
وأضاف في تحليل نشره موقع ميدل إيست آي أنه عندما عدّل صندوق النقد الدولي توقعاته في 8 يوليو، خفض نمو الاقتصاد العالمي لعام 2026 من 3.1% إلى 3% فقط، رغم إغلاق أهم ممر لاختناق النفط في العالم واستمرار الحرب خمسة أشهر.
وتكمن المفارقة الأكثر دلالة داخل إيران نفسها، إذ كان يفترض، وفق القراءة الاقتصادية التقليدية، أن ينزلق الاقتصاد الإيراني إلى انهيار سريع، خصوصًا بعدما خفض صندوق النقد الدولي في أبريل توقعاته للنمو الإيراني لعام 2026 بمقدار 7.2 نقطة مئوية، من نمو متوقع بنسبة 1.1% إلى انكماش قدره 6.1%. وعدّل الصندوق توقعاته في يوليو بصورة طفيفة، مقدرًا الانكماش بنحو 5.4%.
اقتصاد إيراني يصمد رغم الحرب والعقوبات
ارتفعت أسعار المستهلكين في يونيو بنسبة 88.6% مقارنة بالعام السابق، بينما قفزت أسعار الأغذية والمشروبات والتبغ بنسبة 134.6%، وارتفعت أسعار اللحوم الحمراء والدواجن بنسبة 178%. كما هبط الريال إلى مليوني ريال مقابل الدولار يوم الاثنين، عقب أنباء عن استعداد واشنطن للإعلان عن عقوبات جديدة.
وتراجع إنتاج الغاز بنحو 230 مليون متر مكعب يوميًا مقارنة بمستوى ما قبل الحرب البالغ 650 مليون متر مكعب، بينما كان نقص البنزين يصل إلى نحو 20 مليون لتر يوميًا قبل اندلاع القتال، واضطرت المدن إلى تقنين الكهرباء.
ورغم ذلك، يبلغ معدل البطالة الرسمي 7.5% فقط، وتواصل الحكومة دفع الرواتب والمعاشات، بينما لا تزال المتاجر مزودة بالسلع. ولم يشهد الاقتصاد أزمة مصرفية أو تخلفًا سياديًا عن سداد الديون أو انهيارًا فوضويًا لشركة كبرى.
وبغض النظر عن التسمية التي يمكن إطلاقها على هذه الحالة، فإن ما يحدث لا يشبه الانهيار الذي قد تسببه أكثر من خمسة أشهر من القصف والحصار البحري في معظم الاقتصادات الأخرى.
لا شيء تقريبًا يمكن سحبه من الاقتصاد الإيراني
تكمن المفارقة في أن معظم الخصائص التي تجعل إيران بيئة غير جاذبة لرأس المال في أوقات السلم هي نفسها التي تمتص صدمة الحرب. فالملكية المركزة، وتقنين العملات الأجنبية، والانفصال شبه الكامل عن النظام المالي العالمي، وهيمنة عدد محدود من الكيانات شبه الحكومية على اقتصاد التصدير، تحولت جميعها إلى أدوات لامتصاص تداعيات الحرب.
ويبدأ الأمر بآلية بسيطة: لا يوجد تقريبًا رأس مال يمكن سحبه. إذ تحمل إيران ديونًا خارجية ضئيلة للغاية، كما تكاد تخلو من الاستثمارات الأجنبية في المحافظ المالية. ومن دون رأس مال أجنبي، لا يمكن أن تحدث ظاهرة هروب رؤوس الأموال بالمعنى التقليدي.
وأغلقت بورصة طهران في 28 فبراير، بالتزامن مع بدء الضربات الأمريكية الإسرائيلية على طهران، وظلت مغلقة نحو 80 يومًا. واستطاعت سوق لا يمتلك الأجانب فيها أصولًا تُذكر أن تغلق أبوابها ببساطة.
لكن ما حدث بعد إعادة فتحها في مايو كان أكثر غرابة. فقد تراجع مؤشر «تدبيكس» إلى نحو 3.7 مليون نقطة قبل الإغلاق، مقارنة بـ4.5 مليون نقطة سجلها في بداية العام. ثم تجاوز المؤشر 5.9 مليون نقطة في أوائل يوليو، ليسجل أعلى مستوى له على الإطلاق خلال الشهر الخامس من الحرب، قبل أن يتراجع مجددًا إلى أقل من 5 ملايين نقطة خلال أسبوع واحد.
ولا ينبغي تفسير هذا الارتفاع باعتباره مؤشرًا على الثقة. فمع وصول أسعار الفائدة على الودائع إلى مستويات سالبة بشدة بالقيمة الحقيقية وتقنين العملات الصعبة، لا يجد المدخرون الإيرانيون خيارات كثيرة لاستثمار أموالهم. وعند احتساب قيمة المؤشر وفق سعر صرف الريال، لا يبدو الارتفاع مكسبًا حقيقيًا؛ فقد ارتفع المؤشر لأن مخارج الأموال مغلقة، ثم تراجع مجددًا بمجرد انهيار إطار وقف إطلاق النار الذي أدى لفترة وجيزة إلى دعم العملة.
العقوبات بنت قدرة إيران على الصمود
تظهر فائدة التركّز الاقتصادي أيضًا في إدارة الموارد أثناء الحرب. فعندما تعطلت إمدادات المواد الأولية إلى المجمعات البتروكيماوية في عسلوية وماهشهر، أوقفت الحكومة صادرات البتروكيماويات بالكامل للحفاظ على تشغيل المصانع المحلية.
وفي اقتصاد مفتوح، كانت مثل هذه الخطوة ستحتاج إلى إشارات سعرية وإعادة تفاوض على العقود وأشهر من الترتيبات. أما إيران فكانت بحاجة إلى توجيه واحد يصل إلى نحو 12 كيانًا. وهكذا تحولت الخسائر الناجمة عن الاحتكار في أوقات السلم إلى قدرة على إصدار الأوامر في زمن الحرب، وهي قدرة راكمتها إيران على مدار 15 عامًا.
كما لم تُبنَ آليات الالتفاف على العقوبات تحت نيران الحرب. فقد كانت إيران، قبل اندلاعها، تنقل ما بين 1.4 مليون و1.8 مليون برميل من النفط يوميًا عبر أسطول يضم مئات الناقلات القديمة، وكانت غالبية الشحنات تتجه إلى مصافٍ مستقلة في مقاطعة شاندونغ الصينية بخصومات تراوحت بين 10 و15 دولارًا عن سعر خام برنت.
وبُنيت الطرق البرية الممتدة إلى العراق وتركيا وباكستان، إلى جانب خطوط السكك الحديدية المتجهة نحو روسيا والصين، في وقت كانت فيه إيران تواجه عقوبات على الشحن، لا حصارًا بحريًا. وتقول وزارة النفط الإيرانية إنها باعت 11.5 مليار دولار من الخام خلال فترة القتال نفسها، إضافة إلى 6.5 مليار دولار خلال فترة وقف إطلاق النار، ما وفر أكثر من 60% من الإيرادات المقدرة في موازنة العام.
العقوبات لم تُضعف هذه البنية التحتية، بل أسهمت في بنائها.
الأسر الإيرانية تدفع ثمن الصمود الاقتصادي
لا يعني هذا أن الاقتصاد الإيراني يمتص الصدمة دون خسائر؛ بل ينقلها إلى مكان آخر. ففي الاقتصاد المتكامل، تظهر آثار الحرب في الميزانيات العمومية من خلال حالات التخلف عن السداد والإفلاس ومحو قيمة الأسهم، إضافة إلى سوق سندات يجبر الحكومة على التحرك خلال أسابيع. أما في اقتصاد مغلق يعتمد على نظام متعدد لأسعار الصرف ومقنن للعملات، فتظهر الصدمة في الأسعار بدلًا من ذلك.
وقال الاقتصادي هادي كحال زاده، من معهد كوينسي، لقناة الجزيرة، إن امتصاص الصدمات عبر التضخم وانخفاض قيمة العملة يبقي السلع متاحة في المتاجر، لكنه يجعلها أكثر صعوبة في الشراء تدريجيًا. ويواصل النظام عمله، بينما تنتقل التكلفة مباشرة إلى الأسر.
وتبلغ قيمة الحد الأدنى للأجور شهريًا نحو 87 دولارًا وفق سعر الصرف في السوق المفتوحة. كما توقعت دراسة أجراها مركز أبحاث تابع لصندوق التقاعد الحكومي الإيراني ارتفاع معدل الفقر من نحو 30% قبل خمس سنوات إلى 45% هذا العام.
لم ينهَر النظام، لكن الأسر دفعت الثمن.
وتبقى ولاءات الأطراف التي يعتمد عليها النظام مشروطة أيضًا. فالتركيز الاقتصادي الذي يسمح للدولة بتوجيه الموارد يمنح عددًا محدودًا من المصدرين أكبر فرص للمراجحة في البلاد. وأفادت منظمة التفتيش العام الإيرانية الشهر الماضي بأن أكثر من 20 ألف مصدر لم يعيدوا إلى البلاد عائدات بقيمة 94 مليار يورو، بينما يحتفظ أمناء عيّنتهم الحكومة لإعادة عائدات النفط الخاضعة للعقوبات بما لا يقل عن 11 مليار دولار منها.
وهكذا يستطيع النظام الذي يمكن توجيهه بالأوامر أن يتحول أيضًا إلى مجال للاستفادة منه، وهو ما يستفيد منه الفاعلون الذين يجعلون هذه القدرة على التوجيه ممكنة.
لكن التكلفة الأعمق تكمن في ما لا يُنفق. فقد كان تكوين رأس المال الثابت الإجمالي يتراجع قبل سقوط أول قنبلة. والاقتصاد الذي يحافظ على تماسكه عبر خفض قيمة عملته وتقنين الدولار وتأجيل صيانة المصافي وشبكة الكهرباء يستهلك مخزونه الرأسمالي تدريجيًا. وهذه استراتيجية لها مدة صلاحية، ويبدو أن تلك المدة قصيرة على الأرجح.
الاندماج الاقتصادي لا يعني بالضرورة الأمان
لا يعني ذلك الدعوة إلى العزلة الاقتصادية، بل ضرورة الفصل بين مفهومين دمجهما الإجماع الاقتصادي الذي ساد بعد عام 1990: الاندماج والأمان ليسا الشيء نفسه. فقد بنت إيران اقتصادًا يصعب كسره على نحو غير معتاد، لكنه للسبب نفسه يصعب نموه بالقدر نفسه.
ويتوقع صندوق النقد الدولي نمو الاقتصاد الإيراني بنسبة 3.2% في 2027، لكن ذلك يمثل ارتدادًا من القاع أكثر مما يمثل إصلاحًا حقيقيًا.
وبصيغة أكثر مباشرة، أوقفت العقوبات تطور إيران وفي الوقت نفسه زادت من صلابتها. حُرمت البلاد من عقد من النمو، وحصلت في المقابل على قدرة على تحمل العقوبات والضغوط لا تتمتع بها سوى اقتصادات قليلة منفتحة على العالم.
وبالنسبة إلى من يتعاملون مع الضغط الاقتصادي باعتباره أداة لإجبار الدول على تغيير سلوكها، فهذه هي الخلاصة الأهم: غياب الانهيار لا يعني أن الضغوط أوشكت على تحقيق أهدافها، بل يشير إلى أن 15 عامًا من الضغوط بنت بالفعل الاقتصاد القادر على امتصاصها.
https://www.middleeasteye.net/opinion/sanctions-didnt-break-iran-they-hardened-it

